محمد جمال الدين القاسمي

123

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الحجاز والشام ، على مقربة من ( معان ) ويطلق على أهلها ، وهم قوم من العرب كانوا يعمرونها . أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي لتبخسوا الناس أشياءهم بالباطل إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ أي نعمة وثروة في رزقكم ومعيشتكم ، وعافية وتمتع في وجودكم . يعني : فلا تتعرضوا لزوال ذلك عنكم بما تأتونه مما تنهون عنه ، كما قال سبحانه : وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ أي مهلك ، أو لا يشذ منه أحد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 85 ] وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ أي العدل . قال الزمخشري فإن قلت : النهي عن النقصان أمر بالإيفاء ، فما فائدة قوله : أَوْفُوا ؟ . قلت : نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ، لأن في التصريح بالقبيح بغيا على المنهيّ ، وتعييرا له . ثم ورد الأمر بالإيفاء ، الذي هو حسن في العقول ، مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه ، وبعث عليه . وجيء به مقيدا ( بالقسط ) أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية ، من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب . لأن ما جاوز العدل فضل ، وأمر مندوب إليه . وفيه توقيف على أن الموفي ، عليه أن ينوي بالوفاء القسط ، لأن الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل . فهذه ثلاث فوائد . انتهى - . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوهم حقوقهم بطريق من الطرق ، كالكيل والوزن وغيرهما ، فهو تعميم بعد تخصيص ، لأنه أعم من أن يكون في المقدار وغيره . والبخس : الهضم والنقص . ويقال للمكس : البخس . قال زهير : أفي كلّ أسواق العراق إتاوة * وفي كلّ ما باع امرؤ بخس درهم ألا تستحي منا ملوك وتتّقي * محارمنا لا تتّقي الدم بالدم و روي ( مكس درهم ) . يريد زهير : أخذ الخراج ، وما هو اليوم في الأسواق من رسوم وظلم . وكان قوم شعيب يأخذون ، من كل شيء يباع ، شيئا . كما تفعل السماسرة ، أو كانوا يمكسون الناس ، أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من